الأحد، نوفمبر 20، 2016

أحمد المسلمانى صعود نظرية المؤامرة فى أمريكا


 احمد المسلماني
ينتقد كثيرون إيمان العرب بـ«نظرية المؤامرة».. ويأخذ العقلاء على الإعلام العربى تفسير كل شىء سيئ بأنه نِتاج نظرية المؤامرة.. وهو ما دعا إلى السخرية من النظرية والحطّ من شأن المؤمنين بها.
(1) من المدهش أن «نظرية المؤامرة» باتتْ تتمدد فى الفكر السياسى الأمريكى.. ويمكن أن تجد لها صدى فى مناقشات الكونجرس.. وبعض الكتابات والندوات. غير أنّ ترشح الرئيس «ترامب»، ثم فوزه.. قد دفع الإيمان بالنظرية إلى سقفٍ غير مسبوق.

كانت حملة الرئيس «ترامب» تقومُ فى جانب رئيسى منها على أن أمريكا تتعرض إلى مؤامرة.. وأن أمريكا قد تراجعتْ كثيراً بفعل هذه المؤامرة.. وكان الرئيس المنتخب يقول: «انظروا إلى البلاد الأخرى وانظروا إلى أمريكا.. نحن نعيش فى مأساة».
وقد جاء تعيين «ستيف بانون» فى منصب «كبير المخططين الاستراتيجيين» لافتاً للانتباه.. ذلك أن «بانون» يؤمن تماماً بنظرية المؤامرة.. ويرى أن «هناك مؤامرة على أمريكا من قِبل مجموعة المصالح الدولية.. وأن اللوبى اليهودى هو أحد أدوات المؤامرة».
إن «بانون» ليس مخطَّطاً استراتيجياً فحسب، ولكنّه كبير المخططين الاستراتيجيين.. ينطلق فكره السياسى من نظرية المؤامرة.. والمثير أنه يضع اللوبى اليهودى ضمن منظومة المؤامرة على الولايات المتحدة.. وهو ما جعل بعض الإعلام الأمريكى يتهمه بمعاداة السامية.
(2) ثمّة ما هو أكثر دهشة.. يتحدث الإعلام الدولى عن المظاهرات التى انطلقت ضد الرئيس «ترامب» منذ الدقيقة الأولى لفوزه.. وتذكر الصحف أن الملياردير اليهودى «جورج سورس» يقف وراء تمويل هذه المظاهرات.. وأن جورج سورس الذى سبق أن موّل المظاهرات ومليونيات إسقاط النظم فى أكثر من دولة.. هو الذى يموّل مظاهرات أمريكا ضد «ترامب». وقد نشرت وسائل الإعلام تقارير عديدة عن دور منظمات المجتمع المدنى ولا سيما «صندوق المجتمع المفتوح» الذى يموله «سورس» فى تهديد الأمن السياسى والاجتماعى فى أمريكا!
(3) ليس هنا آخر الدهشة.. ذلك أن كثيرين تحدثوا عن مؤامرة مكتب المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI ضد السيدة هيلارى كلينتون.. واتهمت «هيلارى» رئيس المكتب «جيمس كومى» بأنه وراء إسقاطها.. وهو الاتهام نفسه الذى ساقته زعيمة الديمقراطيين «نانسى بيلوسى».. ثم إنه الاتهام ذاته الذى تكرّر على ألسنة أعضاء فى الكونجرس وقادة فى الحزب الديمقراطى.
ثم تصِل الدهشة إلى مدى أبعد.. حيث أشار البعض إلى احتمالات تورط المخابرات الروسية فى الأمر.. وتحدّث مسئول فى الحزب الديمقراطى عن تعاطف «جيمس كومى» مع «بوتين»، وتساءل عضو الكونجرس -من الحزب الديمقراطى- «تيم رايان» مشكِّكاً: من أين الوثائق؟ كيف حصل مكتب FBI عليها؟ وهل روسيا متورطِّة فى إيصال معلومات استخدام هيلارى كلينتون الخاطئ للبريد الإلكترونى؟!
إنها إشارات تجاوزتْ المنطق.. سواء فيما يتعلق بالمؤامرة الروسية على الحزب الديمقراطى، أو ما يتعلق بالمؤامرة الروسية على أمريكا.
(4) ليست هنا أيضاً نهاية الدهشة.. فقد تحدث أعضاء فى الحزب الديمقراطى عن زيارة الرئيس «ترامب» للسفارة الروسية فى واشنطن قبل الانتخابات، وعن لقاءات رجال «ترامب» مع مسئولين روس توجد أسماؤهم على قوائم الحظر الدولى، وعن مصالح اقتصادية تجمع مساعدين لـ«ترامب» مع شركات النفط والغاز الروسية.. وهو الحديث الذى يريد القول إن روسيا كانت وراء نجاح «ترامب».
وعلى الرغم من نفى FBI أية علاقة للرئيس «ترامب» مع السفارة الروسية أو الإدارة الروسية.. إلا أن الحديث عن نظرية المؤامرة الروسية على الولايات المتحدة تمضى بلا حدود.
(5) يتحدث «البيض» عن المؤامرة على اللون الأبيض لأمريكا، ويتحدث الملونون عن المؤامرة على «غير البيض» فى أمريكا.. ويتحدث الفلاحون عن مؤامرة المدن الكبرى على الريف الأمريكى، وتتحدث المدن عن «ترييف» السياسة الأمريكية وحسم الريفيين الانتخابات لصالح «ترامب».. ويتحدث المسلمون واليهود معاً عن المؤامرة على المسلمين واليهود فى أمريكا.. ويتحدث بعض رجال ترامب عن مؤامرة المسلمين ويتحدث آخرون عن مؤامرة اليهود.. على أمريكا!
ولقد عبّرت وسوم «اقتلوا ترامب» و«اغتصبوا زوجة ترامب» و«اسجنوا هيلارى كلينتون» و«إنها الثورة الأمريكية الجديدة» عن مدى الصراع الثقافى والسياسى فى الولايات المتحدة.
لم يتخيل أحد أن يكون الإيقاع سريعاً على هذا النحو.. ففى كل يوم تقريباً عشرات القصاصات الصحفية والمقاطع التليفزيونية والتصريحات السياسية.. عن نظرية المؤامرة على أمريكا.
يا لهُ من عالم معقّد.. يؤمن الناس بالمؤامرة الأمريكية على العالم.. ويؤمن الأمريكيون بالمؤامرة العالمية على بلادهم!
حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق